المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الرجال قوامون على النساء .


عبيد بن شمر
10-17-16, 17:41
http://upload.3dlat.net/uploads/3dlat.net_17_16_8f91_f2da196598d41.gif (http://)

تُمسك - في عتمتها - رزمة من الأحلام ، وتحدق فيها واحداً تلو الآخر .. وفي النهاية تلقي بها جميعاً إلى حافة الظلام .. كم تمنت أن تسيّر الأمور بإرادتها هي بعد الله .. وبإصرارها على أن تحوز يوماً على مستقبل مشرق وأسرة مثالية ؛ ولكن .. هذا هو دأب الدنيا دائماً : أن لا تمنح الإنسان كل ما يريد ، تقلبت طويلاً في فراشها ، وتعجبت للأرق الذي أصابها الليلة ؛ فما الذي دهاها حتى يُجافيها النوم هكذا ؛ نظرت إلى الجسد الراقد بجوارها بهدوء .. وهمست :
- ليتك تدرك ما فعلته بي يا حمدان ؟! ..
انتزعت نفسها من طيات سريرها ، وقامت تطارد هواجس كانت تعصف برأسها .. ذكريات تنصب على رأسها المجهد فلا تستطيع منها فكاكاً ، لا شك أن كوباً من الحليب الساخن سيعيد النعاس إلى جفنيها ، فأعدته على عجل ثم جلست في القاعة المظلمة .. مستسلمة لأفكارها ..
كان حمدان شاباً وحيداً لامرأة أرملة ، وكان في بداية حياته الوظيفية عندما تقدم لخطبتها ، في ذلك المساء ربت والدها عليها بحنو وهمس قائلاً : " إنه شاب طيب وعلى خلق .. وأرى أن نزوج من نرتضي خلقه ودينه " ..
لم تَصْحُ على الحقيقة المرة إلا بعد أشهر معدودة من زواجها به ، وهي أن حمدان المدلل كان يخفي عجزه عن تحمل المسئولية وراء ستار زائف .. من حسن الخلق والدين .. خصوصاً وأن أحشائها كانت تموج بوليدها " خالد " الذي بات يعبث ولا يهدأ ، وذلك حين دخل عليها حمدان مغاضباً لا يلوي على شيء .. وكانت البداية ، فقد تم فصله من العمل لمشاجرة وقعت بينه وبين زميله حيث أراده جريحاً ..
وبعد إطلالة خالد على الدنيا ، جاءها حمدان بنبأ شؤم آخر .. قال بحيرة :
- ما الذي يحدث لي بالضبط ، فهذه الوظيفة الثالثة التي أُطرد منها خلال أشهر قليلة فقط .. !!
ومع ولادة ابنها سامي ، كانت أحوالهما تزداد سوءً ، وكان يجب أن تحسم المسألة فوراً ، فعزمت أمرها .. وتوكلت على الله ثم قررت العمل ، لا سيما وأن حمدان كان قد بدأ ببيع سيارته وبعضاً من الأثاث والأجهزة الكهربائية ، ومنذ ذلك الحين وهو يُلقي على كاهلها بكل الأعباء ، مسئوليات البيت .. والأولاد .. والعمل ، حتى مشاكله الخاصة والصغيرة كان يلجأ إليها لتحلها له ، وذلك حتى حدث وأن تعاقب عليها يوم استعرت فيه أعماقها بالويل .. والحزن .. وإنهاكات الحياة ، كانت بالكاد تقدر على الحراك بسبب حملها الجديد ، فدخلت إلى المنزل تريح نفسها من مشقة العمل .. وضجيج الطريق ، لتجد حمدان ينتظرها بصبر فارغ كي يزيدها ارهاقاً وتعباً ، قال لها بحدة الزوج المستبد :
- أين معطفي الرمادي يا سيدة .. إنني لا أجده في الدولاب ..
أجابته تخلع عنها عباءتها .. وتضع يدها على رأسها من حدة الصداع :
- ربما أنه في مكان آخر يا حمدان .. ابحث عنه جيداً ..
صاح بغضب :
- ماذا .. أبحث عنه ، وما دورك في هذا البيت .. حتى أبحث أنا .. !؟
في تلك اللحظة كانت تمنع نفسها من الانجراف وراء الغضب حتى لا تجرحه ، ومع ذلك انفلتت منها جملة مريرة .. قالت :
- لا أدري ما هو دوري .. قل لي أنت ..
أراد أن يستشعرها برجولته .. فقال متوعداً :
- اسمعي .. لا أحب أبداً أن تحدثيني بهذه الطريقة .. فأنا الرجل في هذا البيت ، ولا تنسي قول الله في كتابه العزيز : " الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض " .....
صمت فجأة على إكمال الآية ، فقالت تحثه بقهر :
- لم لا تكمل .. لم لا تقول " وبما أنفقوا من أموالهم " ....
قال ينبض في أوردته الجرح :
- أتعايريني .. يا حسناء .. !
قالت بندم ..
- لا .. ولكني أردت أن أوضح لك نقطة كانت غائبة تماماً عن ذهنك ، وهي أن الأدوار قد انقلبت بيننا في هذا البيت ، فأنا أعمل وأنفق .. وكذلك أقوم بالطهي .. والتنظيف .. ومذاكرة الأطفال ورعايتهم ، بينما أنت لا تفعل شيء .. فقط تجلس في البيت تلبس وتأكل وتنام .. حتى الأولاد .. يبقون في حضانة أمي أو أمك معظم الوقت لأنك لا تحب ضجيجهم ولا تقدر على متابعتهم .. فما دورك بالتحديد وسط هذه المسئوليات التي أقوم بها وحدي ؟
قال يقر قولها بخجل :
- نعم .. أعلم أنني أحمّلك فوق طاقتك .. وأنني يجب أن أمد لك يد العون وأجد عملاً في القريب العاجل ..
قالت تشجعه بمودة :
- المهم أن تستمر فيه يا عزيزي .. أن تحسن التصرف ، ولا تقوم بالتشاجر والتخريب ..
قال يعدها خيراً :
- صدقيني .. سأفعل كل ما يرضيك .. وسأكون عند حسن ظنك إن شاء الله ..
حدث هذا منذ أشهر بعيدة ، وحتى الآن .. لم يطرأ ما يبشر بالخير على حياتها مع حمدان ، ومع بزوغ الفجر .. انتبهت حسناء إلى كوب الحليب الفارغ في يدها ، كانت قد تجرعته دون أن تستسيغ طعمه ، فقامت تصلب قامتها .. وتخطو إلى حجرتها بتثاقل .. محرضة نفسها على النوم ، لمواجهة .. يوم .. شاق .. آخر !! ..


http://upload.3dlat.net/uploads/3dlat.net_17_16_8f91_682d1c0272172.gif (http://)





للوصول الينا ومتابعة كل بمحرك البحث او