المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العلّامة المُحدّث الكبير أبو إسحاق الحويني


عبيد بن شمر
10-13-16, 00:15
العلّامة المُحدّث الكبير أبو إسحاق الحويني (1)


هو العلّامة المُحدّث الكبير الّذي انعقدت عليه الخناصر عِلمًا و فضلاً، بلغ القِدح المُعلَّى، حاز قصبات السّبق في علم الحديث أُصولاً و رواية، و لا غرو؛ فهو وارث علم العلّامة مُحمّد ناصر الدِّين الألباني (رحمه الله). نشأ نشأة مصريّة بين أحضان العلم و العُلماء، و لا يخفى ما لمصر من السّبق في ذلك، و فيها الأزهر الشّريف(2) ، فحفظ القرآن، و تدرّج في طلب العُلوم الشّرعيّة مُوازاة مع تدرّجه في العُلوم النِّظاميّة (ابتدائي، مُتوسّط، ثانوي، جامعي)، الّتي كان له فيها باعٌ، مع عدم اهتمامه لها؛ لأنّ شُغله الشّاغل هو تحصيل العُلوم الشّرعيّة لاسيما علوم الحديث منها، و كان له ذلك بمشيئة الله و حوله.
و عندما اشتدّ عُوده و بلغ مبلغًا حسنًا، تلوّى عليه بالأثارة في العلم و التُّقى، و خطَّ بيمينه ما خطّ، وكان له حظٌّ في ذلك، شدَّ الرِّحال إلى علامة زمانه و مُحدِّث عصره الشّيخ مُحمّد ناصر الدِّين الألباني (1914 م ـــ 1999 م)؛ هذا الطّود الشّامخ، و الجبل الأشمّ، فلازمه و أخذ عنه و سمع عليه، و كان حينها الشّيخ الألباني في الأردن ــ زادها الله تشريفًا ــ. و قد زكّاه الشّيخ تزكية بالغة، و هو جدير بها و حقيق، ثمّ كانت له جولات و صولات علميّة و دعويّة، مع التّوازي في التّأليف و الكتابة، فكانت نتائجها مُثمرة و كتاباتها نافعة و جهودها مُضنية، و إذا رأيته و سمعت حديثه عرفت أنّ الرّجل راسخ في العلم، يُذكّرك بالطّبقة المُمتازة (3) من أهل الحديث و الفقه و اليَقظة، كالأعمش، و ابن مهران، و شُعبة، و الثّوريّ، و الفُضيل، و ابن المبارك، و مالك، و الشّافعي، و ابن المديني، و ابن دُكين، و ابن معين، و القَطّان، و أحمد، و ابن راهويه، و غيرهم، و إن كُنّا لم نرهم و لم ندركهم، و لكن عرفناهم و أدركناهم و أخذنا عنهم؛ بآثارهم و مواقفهم، الّتي ذكرها أصحاب السِّير و الطّبقات.

هذا الجِهبذ لا يُبغضه إلّا الرّوافض و المُبتدعة و المُرجفون و التُّحوت، فضلاً عن الكُفار و المُشركين؛ فهو حُجّة عليهم، و رأسٌ من رؤوس أهل السُّنّة و الجماعة في هذا العصر، و قد خُلع عليه لقب مُحدّث العصر خلفًا لشيخه، فكتاباته تدحر حُجج المُبتدعين الضّالين، بقوّة الدّليل و نصاعة البُرهان، قال شيخ الإسلام ابن تيميّة (قدّس الله رُوحه و أنار ضريحه) : (... فأهل السُّنّة نقاوة النّاس و هُم أرحم النّاس بالنّاس.) اهـ.
و أهل الحديث عُرفوا من لدن العصر الأوّل بقوّة الحجّة (4) و حُبّهم لاقتفاء آثار النّبيّ (صلّى الله عليه و سلّم)، و آله الطّيّبين و صحابته المرضيين، قال الله تعالى : ((و إنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا و مَا عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاَغُ المُبِينُ)) (5). و قد يقول قائل ـــ و ما أكثرهم ـــ أنّ أغلب أهل الحديث ليس لهم فقه أو ليسوا فُقهاء، و هذا محض الجهل؛ فكيف و هُم أصحاب الحُجّة الدّامغة، النّاقلون لأقوال و أفعال و تقريرات و صفات النّبيّ (صلّى الله عليه و سلّم) ؟. و النّبيّ هو الحُجّة على الخلق، و هو المُبيِّن للقرآن و أحكامه (6)، بنصِّ القُرآن نفسه، و قد تقرّر عند عُلمائنا أنّ كُلّ مُحدِّث فقيهٌ، و ليس كُلّ فقيه مُحدِّثًا، و هذا هو الصّحيح و عليه المُعوّل، و أنا لا أعني المُحدِّثين الّذين يجمعون الآثار و الأخبار، دُون تمحيص و تدقيق، فهؤلاء يُسمّون إخباريين، إنّما أعني أهل الحديث الجامعين بين الرِّواية و الدِّراية و الرّعاية، الّذين يعرفون العِلل الظّاهرة و الخفيّة، كالبخاري، و مُسلم، و أبي داود، و التّرمذي، و النَّسائي، و ابن خُزيمة، و الطّحاوي، و ابن حبّان، و الدّارقطني، و الحاكم، و البيهقي، و غيرهم، و من طبقة الحُفّاظ، كالطّبري، و النّووي، و الذّهبي، و ابن كثير، و العراقي، و ابن حجر، و الصّنعاني، و الشّوكاني، و المعلّمى، و غيرهم، و لا يخفى أنّ أبا إسحاق الحويني و شيخه الألباني من هذه الطّبقة، الّتي جمعت بين الرِّواية و الدِّراية، و أُقرّر هذا عصبيّة منّي لا تخل بدين و لا مُروءة، و حميّة للسُّنّة، لا تُعدّ بحمد الله من حميّة الجاهليّة، بل هي ذبٌّ عن هذا الإمام الكبير الّذي جعله الله من حُماة سنّة نبيّه الكريم (عليه أفضل و أزكى التّسليم)، و لا يتسلّل إلينا أحدٌ و هو منخدعٌ، و يقول هؤلاء مُحدِّثون و ليسوا فقهاء. بل هُم الفُقهاء و لكنّكم لا تفقهون.

هذه رسالتي إلى المُحبّ الفاضل الشّيخ المُحدّث الكبير أبي إسحاق الحويني (شفاه الله و عافاه و دفع عنه العِلّة و البلاء و السُّوء). آمين

و أسأل الله أن يجعل ما كتبته زادًا إلى حُسن المصير إليه و عتادًا إلى يُمن القُدوم عليه، إنّه بكلّ جميل كفيل، و هو حسبنا و نعم الوكيل، و صلّى الله و سلّم على سيّدنا مُحمّد و على آله الطّيّبين و صحابته الكرام المرضيين.


هوامش
1 ـ لقد ذكرت له ترجمة وافية في كتابي القريب الصُّدور "المُحدّثون و جُهودهم في القرنين الرّابع عشر و الخامس عشر الهجريين " .
2 ـ قال العلّامة الفحل مُحمّد السّعيد الزّواوي الجزائري المُتوفّى 1952 نصراني ، والمعروف بأبي يعلى الزّواوي ( رحمه الله رحمة واسعة ) ، و هو أحد أعضاء جمعيّة العُلماء: ( لولا المصريون ما وجدنا كتابًا نقرأه ، ذلك بأنّ الكُتب الّتي بين أيدينا منجميع العُلوم و المعارف العربيّة ، من مُؤلِّفي مصر و مطابعها العامرة ، و لمّا حللت بها وجدت أكثر ممّا كُنت أقول و أظنّ و لِلّه الحمد ، أدام الله ذلك و بارك فيه و زاد . ) اهـ .
3 ـ و هُم أيضًا أهل القدح والثّناء .
4 ـ قال الإمام العَلَم الشّافعي ( رضي الله عنه ) : ( من تعلّم الحديث قويت حُجّته . ) اهـ .
5 ـ النُّور / 54 .
6 ـ قال الإمامان يحي بن كثير و الدّارمي : ( السُّنّة قاضية على القُرآن ) ؛ أي تقضي بأحد المعنيين ، أو بأحد المعاني الّتي يحتملها نظم الآية الواحدة أو الآيتين أو مجموع الآيات .


كتبه أبو مُحمّد سعيد هرماس