المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : مُحمّد بنشريفة مُحقّقًا


عبيد بن شمر
10-11-16, 18:31
مُحمّد بنشريفة مُحقّقًا

خرِّيتٌ من الخراريت، و فطحلٌ من الفطاحل، الّذين عرفهم العالم الإسلامي و العربي في هذا العصر ؛ أشبع المكتبة العربيّة و الإسلاميّة، و أغناها بتحقيقاته و تآليفه النّافعة، الّتي تضوّع ريحها و انتشر عبر الأقطار، و طسّس ثغرات و فُرجًا، كانت بالأمس القريب، غير مُدركة، و لا معروفة، و عُني بالتّراث الأندلسي الضّخم، دراسة و تحقيقًا و تخريجًا، فأبرز لنا منه دُررًا و ذخائر. ذلكم هو العلّامة المُحقّق المُدقّق المُعدّل الأستاذ الدّكتور مُحمّد بنشريفة (بن شريفة) العثامني ؛ الّذي عرفته منذ مُدّة، ليست باليسيرة ؛ معرفة الرِّجال، أصحاب المنزلة و الاقتدار. ولد خلال سنة 1930م بالعثامنة، بإقليم (مُحافظة) الجديدة بالمملكة المغربيّة، نشأ نشأة صُوفية درقاويّة (1) مُلتزمة، و في تصوّفه اعتدال و حُسن ٌ، فأخذ من الصُّوفيّة الزّهد، و التُقى، و الإقبال على الآخرة الباقية، و الإدبار عن ملاذ و مفاتن الدُّنيا الفانيّة، و ابتعد عن شطحاتها و مزالقها، الّتي لا تخلو منها ـــ عادة ـــ الطُّرق الصُّوفيّة، و تحلّى بأحلى القيم و الخصال، فعرفت منه اللِّين و السُّهولة و اليُّسر و هين الجانب، جاء في الحديث عن النّبي (صلّى الله عليه و سلّم) : (حَرُم على النّار الهيّن اللّين السّهل القريب من النّاس.) (2). و شبّ على محبّة العلم، فاتّصل به اتّصالاً وثيقًا، و نجح في دراسته النّظاميّة، حتّى تُوّج بالأستاذيّة بعد الدّكتوراه، ثمّ جلس يُحاضر ردحًا من الزّمن، و ألقى اهتمامه الأوّلي بالتّحقيق و التّأليف ؛ فكان له فيه القدح المُعلّى، و شهد له شيوخه و أقرانه بالتّبرّز في هذا الميدان العصيب، و صار يُحاكي جلّة من أهل التّحقيق، عرفهم العالم العربي، خلال القرنين الهجريين الأخيرين (14 هـ و 15 هــ) ؛ على غرار عبد الرّحمان يحي المعلّمي، و عبد العزيز الميمني، و مُحيي الدِّين عبد الحميد، و عبد السّلام هارون، و محمود مُحمّد شاكر و ما أدراك، و إحسان عبّاس، و محمود الطّناحي، و عبد الصّبور شاهين، و عليّ جواد الطّاهر، و محمود أبي الأجفان، و إسماعيل العربي، و بشّار عوّاد معروف، و غيرهم.
و التّحقيق ـــ كما هو مُقرّر ـــ هو ردّ الشّيء إلى ما كان عليه، أو ردّ المُؤلَّف إلى ما أراده المُؤلِّف، دُون شرح، أو تخريج، أو تعقيب، أو تقييد، إلّا ما لزم، و هو مهيعٌ عصيبٌ، و مُتشعِّب، لا يقدر عليه إلاّ أصحابُ السّطوة المعرفيّة، في مُختلف الفُنون العربيّة و الإسلاميّة، ممّن حباهم الله بالصّبر الكبير، و الدُّربة الكافية، و أظنّ ـــ و لا أُغالي ـــ أنّ شيخنا مُحمّد بنشريفة، قد توفّرت فيه الأمور الّتي ذكرت. و المُطّلع على تحقيقاته، لاسيما منها، تحقيقه على كتاب فهرسة محمّد بن عبد الملك المِنْتوري، الغِرناطي، الأندلسي (ت 834 هـ)، يتبيّن له ذلك بصورة واضحة و جليّة، و يجده قد ضخّ معانٍ جديدة في التّحقيق، على غرار ما يفعله الأصوليون، في معاني الألفاظ اللُّغويّة.

و هُناك فائدة يُستحسن جلبها إلى هذا الموضع، و هي ذكر بعض العناوين الّتي ألّفها و حقّقها. من تآليفه :
01) ـ أبو المُطَرِّف أحمد بن عميرة المخزومي الأندلسي، حياته و آثاره.
و هو رسالة ماجستير، بإشراف العالم الكبير مُحمّد الفاسي المغربي، تقدّم بها إلى كُلّية الآداب بجامعة مُحمّد الخامس، و نُوقشت أمام الجمهور يوم 15 نُوفمبر 1964 م. و هو من أجود تآليفه، و قد أثنى عليه العلّامة اللُّغوي الفحل مُحمّد البشير الإبراهيمي الجزائري المُتوفّى 1965 م، عندما اطّلع عليه و قرأه، كما حدّثني هو بذلك.
02) ـ إبراهيم السّاحلي و دوره الثّقافي في مملكة مالي (ت 747 هـ / 1346 م).
03) ـ إبراهيم الكانمي أنموذج مُبكّر للتّواصل الثّقافي بين المغرب و بلاد السُّودان.
04) ـ ابن عبد ربّه الحفيد فصولٌ من سيرة منسيّة.
05) ـ مُساهمة المغاربة في تأسيس الحركة العلميّة في شمال نيجيريا خلال القرنين الخامس عشر و السّادس عشر.
06) ـ البسطي آخر شُعراء الأندلس.
07) ـ ابن مُغاور الشّاطبي حياته و آثاره.
08) ـ الأندلسيون من خلال آدابهم.
09) ـ التّواصل الأدبي و العلمي بين المغرب و المشرق.
10) ـ ترجمة ابن رزين التّجيبي.
11) ـ الإمام القُرطبي المُفسِّر، سيرته من تآليفه (ت 671 هــ).

و من تحقيقاته : حقّق عددًا لا يُستهان به من الكُتب المخطوطة، نذكر منها :
01) ـ أسهل الطُّرق إلى فهم المنطق. لأبي عليّ الحسن بن حسّون الماجري أو الماقري، المُتوفّى 668 هـ.
02) ـ أمثال العوام في الأندلس. لأبي يحيى عُبيد الله الزّجالي القُرطبي المُتوفّى 694 هـ
03) ـ التّعريف بالقاضي عياض. لولده أبي عبد الله مُحمّد المُتوفّى 575 هـ.
04) ـ التّنبيهات على ما في التّبيان من التّمويهات. لأبي المُطَرِّف أحمد بن عميرة المخزومي الأندلسي المُتوفى 658 هــ.
05) ـ ديوان ابن فُركون.
06) ـ الذّيل و التّكملة لكتابي الموصول و الصّلة. لأبي عبد الله مُحمّد بن عبد الملك المرّاكشي المُتوفّى 703 هــ. السّفر الأوّل بجزئيه، و السّفر الثّامن بجزئيه.
07) ـ روضة الأديب في التّفضيل بين المُتنبّي و حبيب. لأبي الحسن عليّ بن أحمد، المعروف بابن لُبّال الشّريشي المُتوفّى 582 هـ.
08) ـ الزّمان و المكان. لأبي جعفر أحمد بن الزّبير الجَيَّاني المُتوفّى 708 هـ.
09) ـ ابن شبرين و أرجوزته التّاريخيّة.
10) ـ مَظْهر النُّور الباصر في أمداح مولانا أبي الحجّاج الملك النّاصر. لأبي الحُسين بن أحمد بن سُليمان بن أحمد بن مُحمّد بن هشام، المعروف بابن فُركون.
11) ـ نَوْر الكمائم و سجع الحمائم. لأبي بكر عبد الرّحمان بن مُحمّد بن مُغاور الشّاطبي المُتوفّى 587 هـ.
12) ـ فهرسة المِنْتوري. لأبي عبد اله مُحمّد بن عبد الملك المِنْتوري، الغِرناطي، الأندلسي المُتوفّى 834 هـ.
و هو من أجود تحقيقاته ؛ دلّ على اطّلاع صاحبه الواسع، و فهمه المُدرك و عمله الدَّؤوب، و صبره الّذي لا ينفد. و تلك صفات لا يختصّ بها إلّا من حظي بهداية و توفيق المولى جلّ و علا إلى طريق العلم و المعرفة.

و العلّامة مُحمّد بنشريفة تقلّد عدّة مناصب سامية ، من عميد كُلّيّة الآداب بجامعة مُحمّد الخامس بالرِّباط، إلى مُحافظ الخزانة الكُبرى بجامعة القرويين بفاس، إلى مُحافظ الخزانة العامّة بالرِّباط، و نال عضويّة أكاديميّة المملكة المغربيّة، و الأكاديميّة الملكيّة للتّاريخ بمدريد، و مجمع اللُّغة العربيّة بدمشق، و مجمع اللُّغة العربيّة بالقاهرة، و المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلاميّة بعمّان، و فاز بجائزة الملك فيصل العالميّة، لسنة 1988 م، و جائزة الاستحقاق الكُبرى المغربيّة، لسنة 1993 م. و لا عجب ؛ فإنّ من استشرف بالعلم شرف به، و من أهان نفسه في طلبه أكرمه الله به و نعّمه، و خلعت عليه النّاس أردية التّعظيم و التّبجيل، و أرعوه سمعهم بالقَبول و الرِّضا، و هي ـــ لا شك ـــ مظنّة رضى المولى جلّ و علا، الّذي بفضله صار صاحبنا مُحقّقًا (3) مُفْلِقًا.

و صلّى الله و سلّم على سيّدنا مُحمّد و على آله و صحبه أجمعين.

هوامش:
1 ـ الدّرقاويّة : طريقة من الطّرائق الصُّوفيّة ، الّتي عرفها الغرب الإسلامي ، نسبة في ما أعلم ـــ إلى أبي عبد الله مُحمّد العربي بن مُحمّد الدّرقاوي ، الحسني ، المغربي ، المُتوفّى 1239 هـ/ 1823 م ، و جُلّ تفاصيلها و أدبياتها مأخودة من الطّريقة الشّاذليّة المعروفة .
2 ـ رواه الطّبراني ، و صحّحه العلّامة الألباني .
3 ـ التّحقيق عند جمهرة الصُّوفيّة غير التّحقيق الّذي وصفنا به صاحبنا مُحمّد بنشريفة . و هُم يعنون به المرحلة الأخيرة الّتي تأتي بعد التّحلّي، الّذي هو بعد التّخلّي . فيقولون تخلّى فتحلّى فتحقّق .


كتبه أبو مُحمّد سعيد هرماس