المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : غلطة .. شنيعة..... لا يمكن .. لا يمكن أبداً ...


عبيد بن شمر
10-02-16, 17:40
http://upload.3dlat.net/uploads/3dlat.net_02_16_a8c7_77ff4f75f5121.png (http://)

انهارت كل قواه .. وشعر بمرارة تعتلي حلقه ، فوضع يده فوق رأسه وراح يولول كالمفجوع :
- أنا لا أصدق ما يحدث .. لا أصدق ..
كان يموج في المنزل موجاً متلاطماً ، يزمجر حيناً .. ويبحلق في الدنيا حيناً آخر ، ثم يقول كالمخنوق :
- هذا آخر ما كنت أتوقعه في هذه الحياة ..
لم يهدأ أو يستكين منذ أن سمع بالخبر .. وأثناء عودته إلى المنزل كان يقود عربته ساهماً بينما أصداء النبأ تتشنج لها خلاياه ، لكنه في النهاية استيقظ من لوعته على تقزز وقرف أصاباه ، فصرخ :
- يا إلهي .. لا ..
نهض من كرسيه يجوب المكان في ألف خطوة .. كان يعدو في كل البقاع وهو متسمر في مكانه ، حتى توهم بأن الكواكب يدور به بسرعة رهيبة ، يدور ويدور حتى يثخنه بالإنهاك ، فتسائل وهو يترنح :
ماذا أقول للأولاد .. للأهل .. لجيران ، ماذا أقول لأمي ؟! ..
كاد أن يسقط لولا مقعد كان في الجوار احتضنه ، جلس فوقه كالمغشي ، وهمس يوصي نفسه بالتزام الهدوء قليلاً ليتبين الوقائع ، وبلا وعيي منه تحسس جسده .. ورأسه ثم تساءل :
- هل هو حلم هذا .. أم خيال ؟!
داهمته ذكرى الفجيعة مرة أخرى ، فقفز كالملدوغ ، كان ألف خاطرة وخاطرة تحط على ذهنه المشتت .. أين .. ومتى .. وكيف .. ولماذا ، لذلك تلعثم .. وارتبك .. جلس مرهقاً وهو يقول بصوت متقطع :
- كارثة .. مصيبة ..
رجع بذاكرته إلى أيام طفولته ليفتش عن مبرر معقول في أحراش الماضي ، صور كثيرة طفت على سطح ذاكرته ، اقتطف منها بداية مسرفة بالقدم ، لا سيما الحي القديم في الشارع الغربي ، وعصبة من الأولاد كانوا يلعبون " الحبشة " ، في ذلك اليوم خرجت " هناء " ابنة الخمس أعوام من البيت الملاصق لبيت ذويه .. قالت له بخشونة وهو منشغل باللعب معهم :
- أحمد .. أريد أن ألعب معكم ..
لم يمهلوه الصبية ليقرر بعد أن رأوا حيرته ، بل تصدوا لها ونهروها بقسوة ، قال لها كبيرهم :
- اذهبي يا صغيرة والعبي مع البنات ..
في ذلك الوقت كانت هناء تبتعد وهي ترجمهم بالحجارة ، وتتوعدهم بعلقة ساخنة من أخيها محمود .. وكان يلحظها أحياناً وهي تتحرش بأطفال الحي الصغار ثم تشبعهم ضرباً ، حتى استطاعت أن تولي من نفسها زعيمة عليهم ، ورغم ذلك كبرت هناء .. وكبر معها حلمه بأن تكون له ، كان يحب فيها الجرأة والتمرد .. قالت له أمه بامتعاض :
- لست أدري ماذا يعجبك في هذه الفتاة المسترجلة حتى تتزوجها .. !
داهمته هناء بملامحها البريئة وقسماتها الناعمة ، داهمه همسها ورقتها ، كانت تداعبه ذات مساء يوم ، فقالت له وهي ترفع يدها المكورة في الهواء :
- ليتني أتحول إلى رجل لأقتص للنساء منكم معشر الرجال ..
ثم تذكرها وهي تميل على الجانبين في أشهر الحمل الأخيرة وتئن من آلام الوضع ، فمس كالمشدوه :
- لا يمكن أن يكون كل هذا وهم أو سراب ..
لكن الطبيب قال له بارتباك وحذر :
- اسمعني جيداً هذه معجزة من معجزات الخالق سبحانه .. وعليك أن تقبل بالأمر الواقع ..
ثم نأى به جانباً وأردف :
- حالة زوجتك نادرة جداً ، فهي نصف ونصف !
قهقه بجنون .. وصرخ :
- أنا زوجتي .. رجل .. !!
قال له الطبيب : بإمكانها أن تحيا كرجل إن أرادت .. فالمسألة تحتاج إلى تدخل جراحي .. والقرار يعود إليها ..
- هل كنت أعيش مع رجل طوال هذه السنين !!
سأل بهستيريا وراح يترنم على ذكرى المصيبة :
- يا عيني يا هناء .. ستصبحين سيد هذا البيت .. !
وتخيلها بشارب ولحية ، فجن جنونه .. ثم تصورها وهي تقف أمامه نداً لند وتقول له بتحدي :
- لا فرق بيننا الآن .. دعنا نتفاهم رجل لرجل ..
نظر إلى ساعة معصمه .. وقال بقلق :
- ستعود هناء بعد قليل من زيارة أمها - فكيف أواجهها بالأمر .. وماذا سأقول لها .. وأي الحلول ستختار ؟
كمٌّ من الأسئلة الأخرى يرهقه ، فوجم .. وشرد .. وامتعض ، بالأمس .. بالأمس فقط كان يعاملها على أنها أنثى ، حيث كانت تشكو من الدوار والغثيان فقرر أن يأخذها إلى الطبيب للمعالجة .. وليته لم يفعل .
فجأة علا رنين الهاتف يلطم سمعه ، فقام يجيبه بتثاقل :
- نعم .. من ؟ .. آه .. أهلاً دكتور ..
وأخذ يستمع إليه بينما جبينه يأخذ شكل العبوس ثم الذهول .. ثم الغضب ، صاح بانفعال :
- ماذا .. غلطة ! ولكن هذه غلطة لا تغتفر ، ثم كيف يمكن للممرضة أن تخطئ في الملفات بهذه البساطة .. ؟!
- لا .. يجب أن تعاقب .. أجل لا بد من عقابها .
وصمت لحظات أخرى يصغي .. ثم هتف بسعادة ..
- هكذا إذن .. الله يبارك فيك .. شكراً لك أيها الطبيب العظيم ..
وضع السماعة ، وأخذ يرقص بلا إدراك وينشد :
- غلطة .. غلطة .. هناء ستظل امرأة .. غلطة .. غلطة ..
ودخلت عليه هناء فجأة بصحبة الأطفال وهو يدور حول نفسه ، فدهشت لمرآه .. وسألته بتعجب :
- ما بك يا رجل .. وما هذا الذي تفعله !!
اقترب منها .. وأخذ يدها - قال يدللها وهو يجلسها على المقعد :
- أهلاً بزوجتي .. بإمرأتي .. وحبيبتي ..
- ماذا هنالك يا أحمد .. ؟
- مبروك يا عزيزتي .. لقد ظهرت نتائج التحاليل .. أنت حامل يا هناء ...
علقت على فرحه ضاحكة :
وهل كل هذا الفرح من أجل الوليد الجديد .. إن لدينا العديد من الأطفال والحمد لله ..
قال وهو يحتضن العالم :
- أجل .. من أجل وليدنا .. فهو بشارة خير ..
كان يكفيه فرحاً أن زوجته ما زالت امرأة .. ولن تكون رجلاً أبداً في أي يوم من الأيام ..

http://upload.3dlat.net/uploads/3dlat.net_02_16_a8c7_6a7a412483602.png (http://)




للوصول الينا ومتابعة كل بمحرك البحث او