المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : قاعدة جليلة [ الإنتفاع بالقرآن الكريم ]


coobra
08-24-16, 14:32
إذا أردت الإنتفاع بالقرآن الكريم فاجمع قلبك عند تلاوته و سماعه ، و ألق سمعك ، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه ، فإنه خطاب منه لك ، على لسان رسوله ، قال تعالى " إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع و هو شهيد" [ ق : 37] . و ذلك أن تمام التأثير لما كان موقوفا على مؤثر مقتض ، و محلٍ قابل، و شرط لحصول الأثر ، و إنتفاء المانع الذي يمنع منه ، تضمنت الآية بيان ذلك كله بأوجز لفظ و أبينه ، و أدله على المراد . فقوله تعالى :" إن في ذلك لذكرى " إشارة إلى ما تقدم من أول السورة إلى ها هنا و هذا هو المؤثر ، و قوله" لمن كان له قلب " فهذا هو المحل القابل ، و المراد به القلب الحي الذي يعقل عن الله ، كما قال تعالى : " إن هو إلا ذكر و قرآن مبين 69 لينذر من كان حيا " [ يس : 69 _ 80 ] أي حي القلب . و قوله : " أو ألقى السمع " أي : وجه سمعه ، و أصغى سمعه إلى ما يقال له ، و هذا شرط التأثر بالكلام . و قوله : " و هو شهيد " أي : شاهد القلب ، حاضر غير غائب . قال إبن قتيبة : إستمع كتاب الله و هو شاهد القلب و الفهم ، ليس بغافل و لا ساه . هو إشارة إلى المانع من حصول التأثير ، و هو سهو القلب ، و غيبته عن تعقل ما لا يقال له ، و النظر فيه و تأمله . فإذا حصل المؤثر وهو القرآن ، و المحل القابل و هو القلب الحي ، و وجد الشرط و هو الإصغاء ، و انتفى المانع و هو إشتغال القلب و ذهوله عن معنى الخطاب ، و إنصرافه عنه إلى شيء آخر ، حصل الأثر و هو الإنتفاع و التذكر . فإن قيل : إذا كان التأثير إنما يتم بمجموع هذه ، فما وجه دخول أداة (أو) في قوله تعالى : " أو ألقى السمع " ، و الموضوع واو الجمع لا موضع ( أو) التى هي لأحد الشيئين ؟ قيل : هذا سؤال جيد ، و الجواب عنه أن يقال : خرج الكلام ب ( أو) باعتبار حال المخاطب المدعو ، فإن من الناس من يكون حي القلب واعيه ، تام الفطرة ، فإذا فكر بقلبه ، و جال بفكره ، دله قلبه و عقله على صحة القرآن ، و أنه الحق ، و شهد قلبه بما أخبر به القرآن ، فكان ورود الفرآن على قلبه نورا على نور الفطرة ، و هذا وصف الذين قيل فيهم : " و يرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق " [ سبأ 6 ] ، و قال في حقهم : " الله نور السماوات و الأرض مثل نوره كمشكاة فيها مصباح المصباح في زجاجة الزجاجة كأنها كوكب دري يوقد من شجرة مباركة زيتونة لا شرقية و لا غربية يكاد زيتها يضيء و لو لم تمسسه نار نور على نور يهدي الله لنوره من يشاء" [النور 35 ] ، فهذا نور الفطرة على نور الوحي ، و هذا حال صاحب القلب الحي الواعي. وقد ذكرنا ما تضمنت هذه الآية من الأسرار و العبر في كتاب « إجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة و الجهمية » . فصاحب القلب يجمع بين قلبه و بين معاني القرآن ، فيجدها كأنها قد كتبت فيه ، فهو يقرؤها عن ظهر قلب . و من الناس من لا يكون تام الإستعداد ، واعي القلب ، كامل الحياة ، فيحتاج إلى شاهد يميز له بين الحق و الباطل و لم تبلغ حياة قلبه و نوره و ذكاء فطرته مبلغ صاحب القلب الحي الواعي ، فطريق حصول هدايته أن يفرغ سمعه للكلام ، و قلبه لتأمله ، و التفكر فيه ، و تعقل معانيه ، فيعلم حينئذ أنه الحق . فالأول : حال من رأى بعينه ما دعي إليه و أخبر به . و الثاني : حال من علم صدق المخبر و تيقنه ، و قال : يكفيني خبره ، فهو في مقام الإيمان ، و الأول في مقام الإحسان ، و هذا قد وصل إلى علم اليقين ، و ترقى قلبه منه إلى منزلة عين اليقين ، و ذاك معه التصديق الجازم الذي خرج به من الكفر و دخل به في الإسلام . فعين اليقين نوعان : نوع في الدنيا ، و نوع في الآخرة ، فالحاصل في الدنيا نسبته إلى القلب كنسبة الشاهد إلى العين ، و ما أخبرت به الرسل من الغيب يعاين في الآخرة بالأبصار ، و في الدنيا بالبصائر ، فهو عين اليقين في المرتبتين . إنتهى كلامه رضي الله تعلى عنه و أرضاه . جعلنا الله ممن يقرأ القرآن فيرقى و لا ممن يقرأ القرآن فيشقى . آمين.
_________________________________________
كتاب الفوائد للإمام إبن القيم الجوزية رحمه الله