المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : تفسير المعوذتين


coobra
08-13-16, 14:50
تفسير المعوذتين..

1. تفسير سورة الفلق:

تعريفها
سورة الفلق مكية عدد اياتها خمسة نزلت قبل سورة الناس و بعد سورة الفيل ترتيبها بالمصحف ما قبل الاخيرة (113).
تسميتها:
سميت هذه السورة سورة الفلق، لافتتاحها بقوله تعالى: قُلْ: {أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ}و الْفَلَقِ شق الشيء وفصل بعضه عن بعض، ومنه {فالِقُ الْإِصْباحِ} [الأنعام 6/ 96] ، والْفَلَقِ يشمل كل ما يفلقه اللَّه عن غيره، كفلق ظلمة الليل بالصبح، ويخص الفلق عرفا بالصبح، ولذلك فسّر به، وتخصيصه لما فيه من تغير الحال، وتبدل وحشة الليل بسرور النور، والإشعار بأن من قدر أن يزيل ظلمة الليل عن هذا العالم قدر أن يزيل عن العائذ إليه ما يخافه.
مناسبتها لما قبلها:
لما أبان اللَّه تعالى أمر الألوهية في سورة الإخلاص لتنزيه اللَّه عما لا يليق به في ذاته وصفاته، أبان في هذه السورة وما بعدها وهما المعوذتان ما يستعاذ منه باللَّه من الشر الذي في العالم، ومراتب مخلوقاته الذين يصدون عن توحيد اللَّه، كالمشركين وسائر شياطين الإنس والجن، وقد ابتدأ في هذه السورة بالاستعاذة من شر المخلوقات، وظلمة الليل، والسحرة، والحسّاد، ثم ذكر في سورة الناس الاستعاذة من شر شياطين الإنس والجن لذا سميت السور الثلاثة (الإخلاص وما بعدها) في الحديث بالمعوّذات.
موضوعها:
تضمنت السورة الاستعاذة من شر المخلوقات، وبخاصة ظلمة الليل، والسواحر والنمامين، والحسدة، وهي درس بليغ وتعليم نافع عظيم لحماية الناس بعضهم من بعض بسبب أمراض النفوس، وحمايتهم من شر ذوات السموم، وشر الليل إذا أظلم، لما فيه من مخاوف ومفاجات، وبخاصة في البراري والكهوف.
سبب نزول المعوذتين
وَ روى الْبُخَارِيُّ فِي "كِتَابِ الطِّبِّ" مِنْ صَحِيحِهِ: عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُحر، حَتَّى كَانَ يُرَى أَنَّهُ يَأْتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأْتِيهِنَّ -قَالَ سُفْيَانُ: وَهَذَا أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنَ السِّحْرِ، إِذَا كَانَ كَذَا -فَقَالَ: "يَا عَائِشَةُ، أَعْلِمْتِ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَفْتَانِي فِيمَا استفتيتُه فِيهِ؟ أَتَانِي رَجُلَانِ فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأْسِي، وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيِّ، فَقَالَ الَّذِي عِنْدَ رَأْسِي لِلْآخَرِ: مَا بَالُ الرَّجُلِ؟ قَالَ: مَطْبُوبٌ. قَالَ: وَمَنْ طَبَّه؟ قَالَ: لَبيد بْنُ أَعْصَمَ -رَجُلٌ مِنْ بَنِي زُرَيق حَليف ليهُودَ، كَانَ مُنَافِقًا-وَقَالَ: وَفِيمَ؟ قَالَ: فِي مُشط ومُشاطة. قَالَ: وَأَيْنَ؟ قَالَ: فِي جُف طَلْعَة ذَكَرٍ تَحْتَ رَعُوفَةٍ فِي بِئْرِ ذَرْوَان". قَالَتْ: فَأَتَى [النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ] الْبِئْرَ حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ فَقَالَ: "هَذِهِ الْبِئْرُ الَّتِي أُرِيتُهَا، وَكَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعة الحنَّاء، وَكَأَنَّ نَخْلَهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ". قَالَ: فَاسْتَخْرَجَ . [قَالَتْ] . فَقُلْتُ: أَفَلَا؟ أَيْ: تَنَشَّرْتَ؟ فَقَالَ: "أمَّا اللهُ فَقَدْ شَفَانِي، وَأَكْرَهُ أَنْ أُثِيرَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ النَّاسِ شَرًّا" . والجف: قشر الطلع. والراعوفة: صخرة تترك في أسفل البئر إذا حفرت. فإذا أرادوا تنقية البئر جلس المنقِّي عليها.
فضل المعوذتين:
روى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ: عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلَمْ تَرَ آيَاتٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ اللَّيْلَةَ لَمْ يُر مِثْلُهُنَّ قَطُّ: { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } وَ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } .
المفردات اللغوية:
{أَعُوذُ} ألجأ.
{الفَلَق}: الصبح تقول العرب: هو أبين من فلق الصبح، وأصله من فلقتُ الشيء أي شققته، ومنه {فالق الإِصباح}.
{النفاثات} النفث: شبه النفخ دون تفلتٍ بالريق.
الشرح و البيان
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ} (1)
{قُلْ أَعُوذ بِرَبِّ الْفَلَق} الصُّبْح أي قل يا محمد ألتجىء وأعتصم برب الصبح الذي ينفلق عنه الليل، وينجلي عنه الظلام قال المفسرون: سبب تخصيص الصبح بالتعوذ أن انبثاق نور الصبح بعد شدة الظلمة، كالمثل لمجيء الفرج بعد الشدة، فكما أن الإِنسان يكون منتظراً لطلوع الصباح، فكذلك الخائف يترقب مجيء النجاة.
{مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ} (2)
{مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ} يعم كل موجود له شرأَيْ: مِنْ شَرِّ جَمِيعِ الْمَخْلُوقَاتِ. من الإِنس، والجن، والدواب، والهوام، ومن شر كل مؤذٍ خلقه الله تعالى.
{وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ} (3)
{وَمِنْ شَرّ غَاسِق إِذَا وَقَبَ} أَيْ َالْقَمَر إِذَا غَابَ و اللَّيْل إِذَا أَظْلَمَ. وَعَنْ عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: " نَظَرَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْقَمَرِ حِينَ طَلَعَ فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، اسْتَعِيذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا , فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ ". فإِن ظلمة الليل ينتشر عندها أهل الشر من الإِنس والجن. قال الرازي: وإِنما أُمر أن يتعوذ من شر الليل، لأن في الليل تخرج السباع من آجامها، والهوام من مكانها، ويهجم السارقُ والمكابر، ويقع الحريق، ويقل فيه الغوث.
{وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ} (4)
{وَمِنْ شَرّ النَّفَّاثَات} السَّوَاحِر تَنْفُث {فِي الْعُقَد} الَّتِي تَعْقِدهَا فِي الْخَيْط تَنْفُخ فِيهَا بِشَيْءٍ تَقُولهُ مِنْ غَيْر رِيق. كَبَنَاتِ لَبِيد بن الأعصم اليهودي كن ساحرات وهن اللواتي سحرن مع أبيهم النبي صلى الله عليه وسلم وعقدن له إحدى عشرة عقدة، فأنزل الله تعالى إحدى عشرة آية بعد العقد، هي المعوذتان، فشفى الله النبي صلى الله عليه وسلم. فيستعاذ من مثل عملهن وهو السحر.
{وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ} (5)
{وَمِنْ شَرّ حَاسِد إِذَا حَسَدَ} أَظْهَر حَسَدَهُ وَعَمِلَ بِمُقْتَضَاهُ كَلَبِيد الْمَذْكُور مِنْ الْيَهُود الْحَاسِدِينَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. و الحسد هو أن يحب الانسان زوال تلك النعمة عن أخيه المسلم لرغبته فيها رجاء انتقالها إليه. والحسد أخس الطبائع، وأولُ معصية عُصِيَ الله بها في السماء حَسَدُ إبليس لآدم، وفي الأرض حسد قابيل لهابيل.
قال ابن عطية قال بعض الحذاق هذه السورة خمس آيات وهي مراد الناس بقولهم للحاسد الذي يخاف منه العين: الخمسة على عينك، وقد غلطت العامة في هذا فيشيرون في ذلك بالأصابع لكونها خمسة.
وقال العلماء: لا يضرّ السحر والعين والحسد ونحو ذلك بذاته، وإنما بفعل اللَّه وتأثيره، وينسب الأثر إلى هذه الأشياء في الظاهر فقط، قال اللَّه تعالى عن السحر: {وَما هُمْ بِضارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} [البقرة 2/ 102] ، وبالرغم من انعدام تأثير هذه الأشياء في الحقيقة ومنها الأمراض المعدية كالطاعون والسل، فإنه يطلب شرعا الحذر والاحتياط وتجنب هذه الأسباب الظاهرية بقدر الإمكان.


2. تفسير سورة الناس:

التعريف بسورة الناس:
مكية اياتها ستة ترتيبها في المصحف الاخيرة 114)) نزلت بعد سورة الفلق و قبل سورة الإخلاص.
تسميتها:
سميت سورة الناس لافتتاحها بقول اللَّه تبارك وتعالى: قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ.. وتكررت كلمة النَّاسِ فيها خمس مرات. وقد نزلت مع ما قبلها، وهي مكية عند الأكثر، وقيل: مدنية كما تقدم. وعرفنا وجه مناسبتها لما سبقها.
وهي آخر سورة في القرآن، وقد ختم الكتاب العزيز بالمعوذتين وبدىء بالفاتحة، ليجمع بين حسن البدء ، وحسن الختم ، وذلك غاية الحسن والجمال ، لأن العبد يستعين بالله ويلتجىء إليه ، من بداية الأمر إلى نهايته.
موضوعها:
اشتملت هذه السورة، وهي ثاني المعوذتين على الاستعاذة باللَّه تعالى والالتجاء إلى ربّ الناس الملك الإله الحق من شرّ إبليس وجنوده الذين يغوون الناس بوسوستهم.
فضلها:
روى الترمذي كما تقدم عن عقبة بن عامر عن النّبي صلّى اللَّه عليه وسلّم قال: «لقد أنزل اللَّه علي آيات لم ير مثلهن: قُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ إلى آخر السورة، وقُلْ: أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ إلى آخر السورة. وقال: هذا حديث حسن صحيح، ورواه مسلم أيضا.
وقد عرفنا أن هذه السورة وسورة الفلق والإخلاص تعوذ بهن رسول اللَّه صلّى اللَّه عليه وسلّم من سحر اليهود. وقيل: إن المعوذتين كان يقال لهما المقشقشتان، أي تبرئان من النفاق.
عن عائشة رضي الله عنها قالت : "كان رسول الله (ص) إذا أوى إلى فراشه جمع كفيه ونفث فيهما وقرأ [قل هو الله أحد] والمعوذتين ، ثم مسح بهما ما استطاع من جسده ، يبدأ برأسه ووجهه وما أقبل من جسده ، يفعل ذلك ثلاثا.
المفردات اللغوية:
[الوسواس] الشيطان الموسوس ، مشتق من الوسوسة وهي الكلام الخفي وحديث النفس.
[الخناس] الذي عادته أن يخنس أي يتوارى ويختفى ويتأخر، وسمي الشيطان (خناسا) لأنه يتوارى ويختفي إذا ذكر العبد ربه ، فإذا غفل عن ذكر الله ، عاد فوسوس له.
الشرح والبيان:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1)
{قُلْ أَعُوذ} أتحصن واعتصم وألتجئ وأستجير و احتمي{بِرَبِّ النَّاس} خَالِقهمْ وَمَالِكهمْ فخصّ الناس هاهنا بأنه ربّهم ، وهو ربّ كلّ شيء لأنهم معظّمون متميّزون على غيرهم. و لأنه لمّا أمر بالاستعاذة من شرّهم أعلم أنه ربّهم ، ليعلم أنه هو الذي يعيذ من شرّهم.
مَلِكِ النَّاسِ (2)
ولمّا كان في الناس ملوك قال عزّ وجلّ : {مَلِكِ النَّاسِ} اي سيدهم.
إِلَهِ النَّاسِ (3)
ولمّا كان فيهم من يعبد غيره قال عزّ وجلّ : {إِلهِ النَّاسِ}أي معبود الناس بحق إذ لا معبود بحق سواه.
مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (4)
{مِنْ شَرّ الْوَسْوَاس} الشَّيْطَان إبليس يوسوس في الصدور وفي القلوب {الْخَنَّاس} فإذا ذكر الله خنس أي كف عن الوسوسة وتأخر عن القلب عند ذكر الله تعالى.
الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (5)
{الَّذِي يُوَسْوِس فِي صُدُور النَّاس} قُلُوبهمْ إِذَا غَفَلُوا عَنْ ذِكْر اللَّه.
مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (6)
{مِنْ الْجِنَّة وَالنَّاس} أي هذا الذي يوسوس في صدور الناس ، هو من شياطين الجن والإنس ، كقوله تعالى {شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا}، فالآية إستعاذة من شر الإنس والجن جميعا.
ما يستفاد من الآيات :
{قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (1) مَلِكِ النَّاسِ (2) إِلهِ النَّاسِ (3) }هذه ثلاث صفات من صفات الرب عز وجل: الربوبية والملك والإلهية, فهو رب كل شيء ومليكه وإلهه فجميع الأشياء مخلوقة له مملوكة عبيد له, فأمر المستعيذ أن يتعوذ بالمتصف بهذه الصفات من شر الوسواس الخناس, وهو الشيطان الموكل بالإنسان, فإنه ما من أحد من بني آدم إلا وله قرين يزين له الفواحش ولا يألوه جهداً في الخيال, والمعصوم من عصمه الله.
وقد ثبت في الصحيح أنه: "ما منكم من أحد إلا قد وكل به قرينه" قالوا: وأنت يا رسول الله؟ قال: "نعم إلا أن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير".
-------------------
* تفسير مبسط للمعوذتين . مستمد من تفسير الجلالين, وتفسير التسهيل لابن جزي, وتفسير المحرر الوجيز لابن عطية, وتفسير ابن كثير, وتفسير زاد المسير لابن الجوزي, والتفسير المنير للزحيلي, وصفوة التفاسير للصابوني, وايسر التفاسير لابي بكر جابر الجزائري.