المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : بين الشؤم و إراحة النفس فيما لا طاقة لها به


coobra
08-04-16, 05:13
http://d.top4top.net/p_216kauy1.png
بين الشؤم و إراحة النفس فيما لا طاقة لها به
بقلم / د. رائد بن حمد السليم


الحمد لله وحده ، وصلى الله على من لا نبي بعده ، وبعد :

فقد نهى الإسلام عن أفعال الجاهلية المنافية للإيمان بالله تعالى ، ومنها الطِّيَرة ، وهي التَّشاؤُم بالشَّيء ، وأصلُه فيما يُقال : التّطير بالسَّوانح والبَوارِح من الطَّيْر والظباء وغَيرهما ، حيث يعتمدون على الطير ، فإذا خرج أحدهم لأمر ، فإن رأى الطير طار يمنة تيمّن به واستمرّ ، وإن رآه طار يسرة تشاءم به ورجع ، وكان ذلك يَصُدّهم عن مَقاصِدِهم ، ومصالحهم ، فنفاه الشَّرْعُ ، وأبْطَله ونهى عنه ، وأخبرَ أنَّه ليس لذلك تأثيرٌ في جَلْب نفْعٍ أو دَفْع ضَرٍّ ، إذ النافع الضار هو الله وحده . (1)

وبما أن الشرع محكمٌ من لدن حكيم رحيم ، وأن الشريعة لا تأتي بالمشقة والعسر ، فقد ورد في السنة المطهرة مندوحةٌ لمن توالى عليه شرٌ من جهة ما أن يريح قلبه من هذا العناء ويبحث عن بديلٍ ومخرج ، ففي الأرض متسع وفي الدين فسحة ، وذلك درءاً للمفاسد المترتبة على البقاء الملزمِ على ما تكرهه النفوس .

ومما ورد في ذلك ما رواه أنس بن مالك ، قال : قال : رجل : يا رسول الله ، إنا كنا في دار كثير فيها عددنا ، وكثير فيها أموالنا ، فتحولنا إلى دار أخرى ، فقلّ فيها عددنا ، وقلت فيها أموالنا ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ذروها ذميمة . (2)

ففي هذا الحديث أنّ رجلاً كان كثير المال والولد ، فكان من أمره أن انتقل إلى دارٍ أخرى ، فقلّ ماله ، وولده ، فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم مخبراً له بذلك ، شاكياً أمره إليه ؛ لِما عَلِم من رحمته صلى الله عليه وسلم وعطفه على أصحابه ، فكان توجيه النبي صلى الله عليه وسلم له أن ينتقل من داره تلك إلى دارٍ أخرى غيرها .

فهل ذلك مستثنى من الطيرة المنهي عنها ؟ أو له تأويل آخر ؟ سيأتي بيان ذلك إن شاء الله في الفوائد .

ما يؤخذ من الحديث

1. جواز الإخبار بنَقْص الأموال والأنفس إذا كان على غير جهة التسخّط والجزع ، وإخبار الصحابي هنا لأجل المشورة فيما حلّ به .

2. وجّه النبي صلى الله عليه وسلم الصحابي بقوله : " ذروها ذميمة " ، أي مذمومة ، قال العلامة ابن القيم : " ليس هذا من الطيرة المنهي عنها ، وإنما أمرهم بالتحول عنها عند ما وقع في قلوبهم منها ؛ لمصلحتين ومنفعتين :

- إحداهما : مفارقتهم لمكان هم له مستثقلون ، ومنه مستوحشون ؛ لما لحقهم فيه ونالهم ؛ ليتعجلوا الراحة مما داخلهم من الجزع في ذلك المكان والحزن والهلع ؛ لأن الله عز وجل قد جعل في غرائز الناس ، وتركيبهم استثقال ما نالهم الشر فيه ، وإن كان لا سبب له في ذلك ، ولأن الله عز وجل بعثه رحمة ولم يبعثه عذاباً ، وأرسله ميسراً ، ولم يرسله معسراً ، فكيف يأمرهم بالمقام في مكان قد أحزنهم المقام به ، واستوحشوا عنده ، لكثرة من فقدوه فيه لغير منفعته ولا طاعة ولا مزيد تقوى وهدى.

- ثانيهما : أن طول مقامهم فيها بعد ما وصل إلى قلوبهم منها ما وصل قد يبعثهم ويدعوهم إلى التشاؤم والتطير فيوقعهم ذلك في مقارنة الشرك ... ". (3)

3. وفي قوله " ذميمة " جواز وصفها بذلك ، وأن ذكرها بقبيح ما جرى فيها سائغ من غير أن يعتقد ذلك كائناً منها . (4)

4. سبق في التخريج ذكر الحديث الصحيح : " إنما الشؤم في ثلاثة : المرأة ، والفرس، والدار " ، ولأهل العلم تجاهه ثلاثة مسالك :

- المسلَك الأول : الأخذ بظاهره ، فقد يحصل الشؤم في هذه الثلاثة ، فيجعلها الله سبباً للضَرَر والهَلاَك ، فالتشاؤم بها جائز مستثنى من عموم النهي عن الطيرة .(5)

فقد سئل مالك بن أنس عن الشؤم في الفرس والدار ، فقال : " كم من دار سكنها ناس فهلكوا ، ثم سَكَنَها آخرون فهلكوا ، فهذا تفسيره فيما نرى ، والله أعلم "(6)

ونُسِب هذا القول إلى أبي سليمان الخطابي .(7)

- المسلَك الثاني : إبطال صحة الحديث ، أو القول بنسخه .

وإبطال صحته مرويٌّ عن عائشة رضي الله عنها .(8)

وقد ذكر ابن القيم ، وابن حجر : أن قولها رضي الله عنها مرجوح ، وأن الحديث ثابتٌ من غير طريق أبي هريرة ، فقد رواه ابن عمر ، وجابر ، وسهل بن سعد الساعدي ، وأحاديثهم في الصّحيح . (9)

وذكر ابن عبد البر أنه يحتمل أن الحديث في أول الإسلام ، ثم نسخ .(10)

وردّه ابن حجر لأن النسخ لايثبت بالاحتمال ، مع إمكان الجمع . (11)

- المسلَك الثالث : تأويله ، وعدم الأخذ بظاهره ، وقد اختلفوا في ذلك :

فمنهم من قال : هو إخبارٌ عما تعتقده الجاهلية .

وردّه ابن العربي ، والقرطبي .(12)

ومنهم من قال : هذه الأشياء الثلاثة يطول تعذيب القلب بها ، مع كراهة أمرها لملازمتها بالسكنى ، والصحبية ، ولو لم يعتقد الإنسان الشؤم فيها ، فأشار الحديث إلى الأمر بفراقها ليزول التعذيب . (13)

اختاره القاضي عياض ، ومال إليه القرطبي . (14)

ومنهم من قال : إضافة الرسول صلى الله عليه وسلم الشؤم إلى هذه الثلاثة مجاز واتساع ، أي قد يحصل مقارناً لها وعندها ، فهي من باب العادة والموافقة التي أجارها الله تعالى ، لا أنها هي في أنفسها مما يوجب الشؤم.

اختاره ابن العربي ، وأطال فيه ابن القيم ، ومال إليه ابن حجر .(15)

ومنهم من قال : الشؤم في هذه الثلاثة إنما يلحق من تشاءم بها ، وتطيّر بها ، فيكون شؤمها عليه ، ومن توكّل على الله ، ولم يتشاءم ، ولم يتطير ، لم تكن مشؤمة عليه ، وردّه ابن عبد البر . (16)

وقد تأوّل بعض العلماء مقولة مالك بن أنس الماضية ، فذكر ابن العربي أنه لم يرد إضافة الشؤم إلى الدار ، ولا تعليقه بها ، وإنما هو عبارة عن جري العادة فيها ، فيخرج المرء عنها صيانة لاعتقاده عن التعلق بباطل . (17)

قال ابن حجر : " وما أشار إليه ابن العربي من تأويل كلام مالك أولى ، وهو نظير الأمر بالفرار من المجذوم مع صحة نفي العدوى ، والمراد بذلك حسم المادة ، وسد الذريعة ، لئلا يوافق شيء من ذلك القدر ، فيعتقد من وقع له أن ذلك من العدوى أو من الطيرة ، فيقع فيما نهي عن اعتقاده "(18) .

هذا ، والله أعلم ، وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين .

/* جامعة القصيم ، قسم السنة */

موقع العقيدة والحياة
----------------------------------------------
(2 ) أخرجه أبو داود ( كتاب الطب ، باب في الطيرة ، 4 / 20 ) ح ( 3924 ) ، البخاري في الأدب المفرد ( 1 / 316 ) ، وابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث ( 71 ) ، والبيهقي في سننه ( 8 / 140 )، وفي رواية ابن قتيبة : وهي ذميمة .

ورجاله ثقات ، وإسناده متصل لولا تدليس عكرمة بن عمار اليمامي ، وقد عنعن ، وانفرد به عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة ، ولهذا – والله أعلم – قال أبو عبد الله البخاري : في إسناده نظر 0 ( الأدب المفرد 316 )